عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

258

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

قدرا . ففاحت له روائح غلبت على روائح قدورهم طيبا وعطرية . فعجبوا من ذلك . وعبادة حاضر فحسده ، فقال : ان أردت أن تزيد في طيب قدرك فصبّ فيها سكرّجة « 1 » كامخ فأخذ سكرجة كامخ كبر وصبّها في القدر . فساعة صبّ السكرجة فاحت لها روائح منتنة . فقال المأمون : ويلكم ما هذه الروائح المنتنة : فقال عبادة : رائحة قدر أخيك الطباخ ! قال : ما ذا طرحت فيها حتى عادت بعد الطيب إلى هذه الرائحة ؟ فقال : سكرجة كامخ كبر أشار بها عبادة . فقال : أما علمت أنك إذا أدخلت جسما ميتا على جسم حي أفسده ؟ فحقدها المعتصم على عبادة ، فلما ولي المعتصم أمر بقتله . ثم قال ما لهذا الكلب من القدر ، ما يقتل ، ولكن انفوه فنفي « 2 » » . ومن ذلك أيضا ما رواه المسعودي قال : « يحكى أن المأمون أمر بعض خواصه من خدمه أن يخرج فلا يرى أحدا في الطريق إلا أتى به كائنا من كان من رفيع أو خسيس . فأتاه برجل من العامة فدخل وعنده المعتصم أخوه ويحيى بن أكثم ومحمد بن عمر الرومي وقد طبخ كل واحد منهم قدرا . فقال محمد ابن إبراهيم الطاهري : هؤلاء من خواص أمير المؤمنين فأجبهم عما يسألون . فقال المأمون : إلى أين خرجت في هذا الوقت وقد بقي عليك وفي الليل ثلاث ساعات فقال : غرّني القمر وسمعت تكبيرا فلم أشك أنه أذان . فقال له المأمون : اجلس فجلس . فقال له المأمون : قد طبخ كل واحد منا قدرا هو ذا يقدم إليك من كل واحد منها قدر . فأخبر عن فضائلها وما ترى من طيبها . فقال : هاتوا . فقدمت في طبق كبير كلها موضوعة عليه لا يميز بينها . ولكل واحدة ممن طبخها علامة . فبدأ فذاق قدرا طبخها المأمون . فقال : زه وأكل ثلاث لقمات . وقال : وأما هذه فكأنها مسكة وطباخها حكيم نظيف ظريف . ثم ذاق قدر المعتصم . فقال : هذه واللّه فكأنها والأولى من يد

--> ( 1 ) السكرجة : في كتاب اللغة هي الصحفة . ويظهر أنها وردت بهذا المعنى في الحديث . وانما يراد بها هنا : الآنية التي توضع فيها أنواع الكامخ أي التوابل والأبزاز والأفاوية والملح والأصباغ . قال الجواليقي فارسية معربة وترجمتها مقرب الخل . فيكون أصل وضعها للخل ثم اتسعت لكل ما يؤتدم به . ويشبهها في اللفظة ( Hvilier ) كانت قبلا أداة للزيت ثم جعل معه الخل والخردل والملح وما أشبه وبقي لها اسمها الأول . ولابن المعتز أبيات وصف فيها سلة سكارج جمعت أشهر الكوامخ في أيامه . نقلها المسعودي في مروج الذهب وبهامش الكامل لابن الأثير . ج 10 - ص 195 - 196 . وسوف يأتي ذكرها . ( 2 ) كتاب الديارات للشابشتي : ص 80 - 81 .